عبد الشافى محمد عبد اللطيف

373

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

حمل بعير ، وحمل البعير من الكتب يكفي لتكوين مكتبة محترمة ، فما بالنا بثمانية عشر حملا جاء بها عالم واحد ؟ والعلماء الذي رحلوا من المشرق إلى الأندلس حملوا معهم أيضا كثيرا من الكتب ، وعندما ألف ابن عبد ربه تحفته الأدبية الرائعة - « العقد الفريد » - دل على أن علم المشرق كان معروفا كله عند علماء الأندلس ، ولذلك عندما قرأ الوزير البويهي الشهير الصاحب بن عباد ذلك الكتاب قال عبارته المشهورة : « هذه بضاعتنا ردت إلينا » . وخلاصة القول : أن أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس بذلوا أقصى طاقاتهم ولم يدخروا وقتا ولا جهدا ولا مالا ، وسلكوا كل السبل لبناء حضارة عربية إسلامية على الأرض الأندلسية التي كانت من قبل ذات حضارة متواضعة بالقياس إلى الحضارة في أقطار المشرق ، مثل مصر والشام والعراق وفارس . . . إلخ وهذا يشهد للأمويين بالعبقرية « 1 » ، فقد فتحوا قنوات ثقافية مع العديد من الدول الإسلامية والنصرانية على السواء ، وسبق ذكر الهدية التي أهداها الإمبراطور قسطنطين السابع إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر من الكتب القيامة . وكذلك أقام الأمويون علاقات طيبة وودية مع الرستميين في الجزائر الحالية . وهم خوارج إباضية - كما أشرنا من قبل - وأصبحت تاهرت عاصمتهم أحد روافد العلوم التي كانت تمد قرطبة بكل ما يأتيها من الشرق ، وتتلقى منها كذلك « وشهدت عاصمتا الدولتين العديد من الزيارات المتبادلة بين العلماء كما أصبحت الدولة الرستمية الجسر الذي ضمن استمرار التدفق الحضاري من المشرق إلى الأندلس ؛ لذا حرص الأمويون على استغلال هذا الجسر رغبة منهم في ربط إمارتهم البعيدة بتيار الحضارة الإسلامية في المشرق ، وعن طريق الرستميين نجح أمراء بني أمية في الأندلس في الحصول على ما يحتاجون إليه من كنوز المشرق العربي ومؤلفاته ومخطوطاته وكذلك علمائه ، وكانت لدى الرستميين مكتبتهم الضخمة التي عرفت بالمعصومة والتي حوت عددا ضخما من الكتب والمؤلفات في مختلف العلوم والفنون بالإضافة إلى جهود العلماء المحليين . وبذا يكون الرستميون قد قاموا بدور الوسيط الثقافي ، كما قاموا من قبل بدور الوسيط التجاري ، فأخذوا من المشرق وأعطوا الأندلس ، فكانت بلادهم ماء الحياة

--> ( 1 ) راجع سيجريد هونكه - شمس العرب تسطع على الغرب ، مرجع سابق ( ص 474 ، 475 ) ، وراجع أيضا ، جاك ريسلر الحضارة العربية ، مرجع سابق ( ص 273 ) .